إذن: كان قول الكفار للمؤمنين: {أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] موضع فتنة للفريقين ، فقال المؤمنون: {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] وقال الكفار: ما دام أن الله حبانا في الدنيا وهو الرزاق ، فلا بد أنْ يَحْبُوَنَا في الآخرة ، لكن لم تتعرض الآيات للقول المقابل من المؤمنين ، إنما جاء الرد عليهم من طريق آخر ، فقال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ}
كم: خبرية تدل على الكثرة التي لا تُحصَى ، وأن المقول بعدها وقع كثيراً ، كأن يقول لك صاحبك: أنت ما عملتَ معي معروفاً أبداً ، فتُعدِّد له صنائع المعروف التي أسديتها إليه ، فتقول: كم فعلتُ معك كذا ، وكم فعلتُ كذا .
والقرن: هم الجماعة المتعايشون زماناً . بحيث تتداخل بينهم الأجيال ، فترى الجدَّ والأب والابن والحفيد معاً ، وقد قدَّروا القرن بمائة عام . كما يُطلَق القرن على الجماعة الذين يجتمعون على مُلك واحد ، أو رسالة واحدة مهما طال زمنهم كقوم نوح مثلاً .
والأثاث: هو فراش البيت ، وهذا أمر يتناسب وإمكانات صاحبه .
والرِّئْى: على وزن فِعْل ، ويراد به المفعول أي: المرئي ، كما جاء في قوله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] فذبْح بمعنى: مذبوح .
وورد في قراءة أخرى: (أحْسَنُ أثَاثاً وزِيّاً) وهي غير بعيدة عن المعنى الأول: لأن الزيّ أيضاً من المرئي ، إلا أنه يتكوّن من الزي والذي يرتديه ، والمراد هنا جمال الشكل والهيئة ونضارة الشخص وهندامه ، وقد افتخر الكفار بذلك ، في حين كان المؤمنين شُعْثاً غُبْراً يرتدون المرقَّع والبالي من الثياب .