{وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] الإنسان عادةً له بيت يَأويه ، وله مجلس يَأوي إليه ، ويجلس فيه مع أصحابه وأحبابه يُسمُّونه"حجرة الجلوس"أو"المندرة"، وفيها يجلس كبير القوم ومن حوله أهله وأتباعه ، كما نقول في العامية: (عامل قعر مجلس) ؛ لذلك إذا قام أنفضَّ المجلس كله ؛ لأنهم تابعون له ، كما قال الشاعر:
وانفضَّ بَعْدَكَ يَا كُليْبُ المجلِسُ ... وهناك النادي ، وهو المكان الذي يجتمع فيه عظماء القوم والأعيان ، بدل أنْ يكون لكل منهم مجلسه الخاص ، كما نرى الآن: نادى الرياضيين ونادى القضاة . . إلخ إذن: فالنادي دليلٌ على أنهم متفقون ومتكاتفون ومتكتلون ضد الإسلام وضد الحق .
ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق: 17] ومن ذلك ما كان يُسمَّى قبل الإسلام"دار الندوة"، وكانوا يجتمعون فيها ليدبروا المكائد لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن النادي ما كان مأخوذاً لعمل المنكر والفاحشة والعياذ بالله ، فيجتمعون فيه لكُلِّ ما هو خبيث من شُرْب الخمر والرقص والفواحش ، كما في قَوْل الحق تبارك وتعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر} [العنكبوت: 29] .
وفي هذا دليل على شيوع الفاحشة والقِحَةِ بين القادرين والمجاهرة بها ، فلم يكونوا يقترفونها سِرّاً ، بل في جَمْع من رُوَّاد هذه الأماكن .
والنادي أو المنتدَى مأخوذ من النَّدَى أي: الكرم ، ولما مدحَتْ المرأة العربية زوجها قالت: رَفيع العِماد ، كثير الرماد ، قريب البيت من الناد .
والمعنى: أن بيته أقرب البيوت إلى النادي ، فهو مَقْصد الناس في قضاء حاجياتهم .