وقد جاء الاختلاف في بعض ألفاظ القرآن من قراءة الأخرى ؛ لأن القرآن الكريم دُوِّن أول ما دُوِّن غير منقوط ولا مشكول اعتماداً على مَلَكَة العربي وفصاحته التي تُمكِّنه من توجيه الحرف حَسْب المعنى المناسب للسياق ، وظل كذلك إلى أن وضع له العلماء النقاط فوق الحروف في العصر الأموي . فمثلاً النَّبْرة في كلمةٍ دون نقط يحتمل أنْ تُقرأ من أعلى: نون أو تاء أو ثاء . ومن أسفل تقرأ: باء أو ياء .
والعربي لمعرفته بمواقع الألفاظ يستطيع تحديد الحرف المراد ، فكلمة (رئْيَا) تقرأ (زيا) والمعنى غير بعيد .
ومن ذلك كلمة {فَتَبَيَّنُواْ} [النساء: 94] قرأها بعضهم (فتثبتوا) وكلمة {صِبْغَةَ} [البقرة: 138] قرأها بعضهم (صنعة) ، ودليل فصاحتهم أن الاختلاف في مثل هذه الحروف لا يؤدي إلى اختلاف المعنى .
لذلك ، كان العربي قديماً يغضب إنْ كُتِب إليه كتاب مُشَكل ، لأن تشكيل الكلام كأنه اتهام له بالغباء وعدم معرفته باللغة . ومن هنا وجدنا العلماء الذين وضعوا قواعد اللغة ليسوا من العرب ؛ لأن العربي في هذا الوقت كان يستنكف أن يضع للغة قواعد ، فهي بالنسبة له مَلَكَة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم . أما الأعاجم فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أنْ يتعلَّموا لغته إلا بهذه الدراسة لقواعدها .
والحق تبارك وتعالى يقول هنا: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً} [مريم: 74] لأنهم قالوا: {أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً} [مريم: 73] يريد أنْ يُدلِّل على أنهم حَمْقَى لا ينظرون إلى واقع الحياة ليروا عاقبة مَنْ كانوا أعزَّ منهم مكاناً ومكانة ، وكيف صار الأمر إليهم؟