الوجه الثالث: انتباذ مريم كما في الكتاب المقدس.
وإليك التفصيل
الوجه الأول: من إعجاز القرآن الإجمال فيما لا فائدة من التفصيل فيه.
فمن إعجاز القرآن الكريم أنه يُجمل فيما لا فائدة من التفصيل فيه، وذلك كذكر أسماء إخوة يوسف، وعدة أصحاب الكهف، وغيرها من الآيات التي أجملت ما لا فائدة منه، وإنما المقصودُ أخذُ العظةِ والعبرةِ من القصة، فهو المقصود الأول من ذكر القصص في القرآن الكريم، كما قال تعالى في آخر سورة يوسف: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) ، فهل المطلوب من القرآن الكريم أن يذكر كل شيء عن حياة الشخص الذي يتحدث عنه؟!
ربما لم يذكر القرآن سبب انتباذها لأنه لن يفيد شيئًا في سياق القصة، أو للاختصار، أو لأي سبب نحو ذلك، والبحث في ذلك ليس ورائه كبيرُ نفعٍ، أو تعلق الذكر بما نتج عن هذا الانتباذ، ومولد نبي الله عيسى - عليه السلام -.
الوجه الثاني: ذكر الآراء في سبب الانتباذ.
قد ذكر المفسرون أسبابًا عدة لانتباذ مريم - عليها السلام -، أسوق بعضها مع عدم الجزم بصحة واحد منها؛ إذ لم يرد فيها نص صحيح عن نبينا المعصوم - صلى الله عليه وسلم -، وأيضًا هذا مما لم نُكلف بالبحث عنه.
السبب الأول: أنها طلبت الخلوة لئلا تشتغل عن العبادة.
السبب الثاني: لحيض أصابها.
السبب الثالث: لتفلي رأسها.
وغيرها من الأقوال التي ليس عليها دليل صحيح يشجعنا لأن نجزم به دون غيره، وإنما نقول في مثل هذا: الله أعلم.
الوجه الثالث: انتباذ مريم كما في الكتاب المقدس.
وليس معنى انتباذ مريم أنها خرجت من بينهم بعد مشاجرة مع قومها، أو خصام معهم، وانظر إلى ما ورد في الإنجيل في معنى الانتباذ:"وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلًا جدًّا، فَرُبِّيَ هذَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. 21 وَلمَّا نُبِذَ، اتَّخَذَتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ابْنًا." (أعمال الرسل 7/ 21: 20) .