وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالسُّؤَالِ مَنْ قَصَدَ بِهِ عِلْمَ مَا جَهِلَ، وَنَهَى عَنْهُ مَنْ قَصَدَ بِهِ إعْنَاتَ مَا سَمِعَ، وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ فِي مَوْضِعِهِ أَزَالَ الشُّكُوكَ وَنَفَى الشُّبْهَةَ.
وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: بِمَ نِلْت هَذَا الْعِلْمَ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عُقُولٍ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ» .
وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْغَنَوِيِّ:
فَسَلْ الْفَقِيهَ تَكُنْ فَقِيهًا مِثْلَهُ ... لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرِ
وَإِذَا تَعَسَّرَتْ الْأُمُورُ فَأَرْجِهَا ... وَعَلَيْك بِالْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَعْسِرِ
وَلْيَأْخُذْ الْمُتَعَلِّمُ حَظَّهُ مِمَّنْ وَجَدَ طُلْبَتَهُ عِنْدَهُ مِنْ نَبِيهٍ وَخَامِلٍ، وَلَا يَطْلُبُ الصِّيتَ وَحُسْنَ الذِّكْرِ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْمَنَازِلِ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَ النَّفْعُ بِغَيْرِهِمْ أَعَمَّ، إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ النَّفْعَانِ فَيَكُونُ الْأَخْذُ عَمَّنْ اشْتُهِرَ ذِكْرُهُ وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الِانْتِسَابَ إلَيْهِ أَجْمَلُ وَالْأَخْذَ عَنْهُ أَشْهَرُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا أَنْتَ لَمْ يُشْهِرْك عِلْمُك لَمْ تَجِدْ ... لِعِلْمِك مَخْلُوقًا مِنْ النَّاسِ يَقْبَلُهْ
وَإِنْ صَانَك الْعِلْمُ الَّذِي قَدْ حَمَلْته ... أَتَاك لَهُ مَنْ يَجْتَنِيهِ وَيَحْمِلُهْ
وَإِذَا قَرُبَ مِنْك الْعِلْمُ فَلَا تَطْلُبُ مَا بَعُدَ، وَإِذَا سَهُلَ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تَطْلُبُ مَا صَعُبَ.
وَإِذَا حَمِدْتَ مَنْ خَبَّرْتَهُ فَلَا تَطْلُبُ مَنْ لَمْ تَخْتَبِرْهُ، فَإِنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقَرِيبِ إلَى الْبَعِيدِ عَنَاءٌ، وَتَرْكَ الْأَسْهَلِ بِالْأَصْعَبِ بَلَاءٌ، وَالِانْتِقَالَ مِنْ الْمَخْبُورِ إلَى غَيْرِهِ خَطَرٌ.
وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: عُقْبَى الْأَخْرَقِ مَضَرَّةٌ، وَالْمُتَعَسِّفُ لَا تَدُومُ لَهُ مَسَرَّةٌ.