قال مقيده عفا الله وغفر له: كلام القرطبي ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع ، فإنه اعترف بأن حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم عام في كل نفس منفوسة عموماً مؤكداً ، لأن زيادة"من"قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصاً صريحاً في العموم لا ظاهراً فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحنا في سورة"المائدة".
ولو فرضنا صحة ما قاله - القرطبي رحمه الله تعالى من أنه ظاهر في العموم - لا نص فيه ، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحث في كل عام ، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سنداً ومتناً. فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أوسنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعاً.
وقوله:"إن عيسى لم يتناوله عوم الحديث"فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال فيه:"لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد"فخصص ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء ، وعيسى قد رفعه الله من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: {بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ} [النساء: 158] وهذا واضح جداً كما ترى.
ودعوى حياة أصحاب الكهف ، وفتى موسى ظاهرة السقوط ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم ، ولم يثبت شيء يعارضه.
وقوله"إن الخضر ليس مشاهداً للناس ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً"يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:
الأولى - أن دعوى كون الخضر محجوباُ عن أعين الناس كالجن والملائكة - دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها ، لأن الأصل أن بني أدم يرى بعضهم بعضاً لاتفاقهم في الصفات النفسية ، ومشابهتهم فيما بينهم.