ويذكر أَن رجلا نام من الحاجّ بالمدينة ففقد هِمْيانًا فيه أَلف دينار.
فقام فزِعاً فوجد جعفر بن محمّد رضي الله عنه فتعلَّق به وقال: أَخذتَ هِيْمانى.
فقال أَيش كان فيه؟ فقال: أَلف دينار.
فأَدخله داره ووزن له أَلف دينار ، ثمّ إِنه وجد هِيْمانه فجاءَ معتذراً إِلى جعفر بالمال ، فأَبى أَن يقبله ، وقال: شىءٌ أَخرجته من يدي لا أَستردّه أَبدًا.
وقال الشيخ عبدالله الأَنصارى: نكتة الفتوة أَلاَّ تَشهد لك فضلاً ، ولا ترى لك حقَّا ؛ يشير إِلى أَن قلب الفتوّة وإِنسان عينها أَن تغيب بشهادة نقصك وعيبك عن فضلك ، وتغيب بشهادة حقوق الخَلْق عليك عن شهادة حقوقك عليهم ، والنَّاس فِي هذا على مراتب ، فأَشرفهم أَهل هذه المرتبة ، وأَخسّهم عكسهم.
وأَوّل الفتوّة ترك الخصومة باللسان / والقلب فِي حقِّ نفسه لا فِي حقِّ ربّه ، والتغافل عن الزلاَّت الَّتى لم يُوجب الشرع أَخذه بها ، ونسيان أَذيّة مَن نالك بأَذًى ليصفو قلبُك له ، ونسيانك إِحسانك إِلى من أَحسنتَ إليه حتيَّ كأَنَّه لم يَصدر منك إِحسان.
وهذا أَكمل ممّا قبله ، وفيه يقول:
*ينسى صنائعه واللهُ يظهرها * إِنّ الجميل إِذا أَخفيته ظهرا*
وثانيها: أَن تقرّب من يُبعدك ، وتعتذر إِلى من يجنى عليك ، سماحة لا كَظْماً ، وتحسن إِلى من أَساءَ إليك وتعتذر إِليه أَيضاً.
ومعنى هذا أَنَّك تُنزل نفسك منزلة الجانى والمسىءِ ، وكلّ منهما خليق بالعذر.
والذي يُشهدك هذا المشهد أَن تعلم أَنه إِنَّما سُلِّط عليك بذنب صدر منك ، كما قال تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} ، فإِذا علمت أَنك بدأت بالجناية وانتقم الله منك على يده كنتَ فِي الحقيقة أَولى بالاعتذار.