المنفق لكونه بصدده إلا عَلَى معنى الذهاب والخراج والظَّاهر من إنفاق ما رزقهم الله صرف
المال (في [سبل] الخير) ووقع في بعض النسخ في سبيل الله بدله ومعناه جهة القربة والطاعة
وسيجيء الإشَارَة إليه من الْمُصَنّف (من الفرض) كالزكاة ونفقة الزوجات والأقارب والإنفاق
على النفس (والنَّفْل) أي المندوب (ومن فسره بالزكاة) لا يريد التَّخْصِيص لأنه خلاف
الظَّاهر بل (ذكر أفضل أنواعه) وأكمله (والأصل فيه) أي في الإنفاق وكونها أصلًا فيه
بالنسبة إلَى الإنفاق عَلَى نفسه وعلى من تجب نفقته محل تأمل، إلا أن يقال مراده بالنظر إلَى
النَّفْل أو تعميم الزكاة (أو خصصه بها) أي أراد التَّخْصِيص ولم يجعله عاما(لاقترانه بما هو
شقيقها)أي أختها ونظيرها فحِينَئِذٍ لا تظهر نكتة العدول من يؤتون الزكاة أو الزكاة يؤتون
واحتمال الأول أرجح. أما أولًا فلحمل المطلق عَلَى إطلاقه، وأما ثانيا فلأن مقام المدح
يناسبه العموم ودخول الزكاة تحت العموم كاف في الاقتران بما هُوَ شقيقها، والْمُرَاد بها
الصلاة من حَيْثُ إن كلا منهما أم العبادات أما الصلاة فأم العبادات البدنية، وأما الزكاة فأم
العبادات المالية وأفضلها أو من حيث استتباعهما لغيرهما.
قوله: (وتقديم الْمَفْعُول) أي الْمَفْعُول به بواسطة الجر وهو ما ينفقون لا مجموع
الجار والمجرور بتأويل بعض ما رزقناهم لأن قوله وإدخال من التبعيضية عليه يأباه لكن
المنفق بعض المرزوق لا نفس المرزوق ومن هذا قال قدس سره الجار والمجرور مَفْعُول
للفعل عَلَى الإطلاق تنبيهًا عَلَى أنه بحسب الْمَعْنَى مَفْعُول به أي بعض ما رزقناهم وإن كان
بحسب اللَّفْظ صفة مَفْعُول مقدر أي شَيْئًا مما رزقناهم وفي مثل هذا لا تسامح في قولهم
الجار والمجرور مَفْعُول به فتدبر فمعنى قوله (وإدخال من التبعيضية عليه) أي عَلَى
المجرور من الْمَفْعُول تسامح ولو ترك لفظ عليه لكان خاليا عن المسامحة (للاهتمام به)
والْمُرَاد الاهتمام العارض بحسب اعتناء المتكلم أو السامع بشأنه واهتمامه بحاله لغرض من
الأغراض وهو كونه نصب عين المنفق في حال الإنفاق لشرفه المكتسب من إسناده إليه
تَعَالَى فلا إشكال بأن مجرد الأهمية لا يكون نكتة في التقديم ما لم يتبين وجه الأهمية ثم
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وتقديم الْمَفْعُول للاهتمام به وجه الاهتمام التَّخْصِيص أعني حصر الإنفاق في بعض
المال الحلال فإن (مِنْ) تبعيضية، فالْمَعْنَى بعض ما رزقناهم ينفقون لأجله سواء أريد به الزكاة
المفروضة أو مطلق ما أنفق في سبل الخير أما تَخْصيص البعض عَلَى أن يراد به الزكاة بالذكر
فظَاهر لأن الزكاة إنما تكون بعض المال، وأما عَلَى أن يراد به مطلق الإنفاق فللحث عَلَى الاقتصاد
الذي هُوَ وسط بين الإسراف والإقتار ففيه مع الاهتمام بشأن المنفق ورعاية الفاصلة تضمين المدح
باجتناب عن رذيلة السرف أَيْضًا فعلى تقدير أن يخص البعض المفروض يوهم التقديم نفي مقابله
الذي هُوَ الإنفاق المقطوع عنه وهذا لا يناسب مقام المدح فالوجه أن يراعى التقابل حِينَئِذٍ فيما بين
مفهومي البعض والكل لا بين مفهومي الواجب وغير الواجب.
قوله: (إدخال من التبعيضية عليه للكف عن الإسراف المنهي عنه هذا مبني عَلَى أن يراد
بالإنفاق مطلق صرف المال في محل الخير لا عَلَى أن يراد به الزكاة.