{وما ننزل الملائكة إلا بالحق} ، أي: إلا تنزلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} (الحجر ،)
وقيل الحق الوحي أو العذاب. وقرأ شعبة بضم التاء مع فتح الزاي ورفع الملائكة وحفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر الزاي ونصب الملائكة والباقون بالتاء مفتوحة مع فتح الزاي ورفع الملائكة وشدّد التاء البزي في الوصل ، وأما الزاي فهي مشدّدة للجميع من يفتح ومن يكسر {وما كانوا} ، أي: الكفار {إذاً} ، أي: إذ تأتيهم الملائكة {منظرين} ، أي: لزوال الإمهال عنهم فيعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدّقوا وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم ثم أجاب تعالى عن الأوّل بقوله تعالى مؤكذاً لتكذيبهم:
{إنا نحن} بما لنا من العظمة والقدرة {نزلّنا} ، أي: بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام {الذكر} ، أي: القرآن {وإنا له لحافظون} ، أي: من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان ، ونظيره قوله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} (النساء ،)
فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه كلمة واحدة أو حرفاً واحداً وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف والتبديل والزيادة والنقصان ، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه ؟