وقال النحاس: في قوله"مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ"أي من أمامه ، وليس من الأضداد ولكنه من توارى ؛ أي استتر.
وقال الأزهري: إن وراء تكون بمعنى خلف وأمام فهو من الأضداد ، وقاله أبو عبيدة أيضاً ، واشتقاقهما مما توارى واستتر ، فجهنم تَوَارَى ولا تظهر ، فصارت من وراء لأنها لا ترى ؛ حكاه ابن الأنباري وهو حسن.
قوله تعالى: {ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} أي من ماء مثل الصديد ، كما يقال للرجل الشجاع أسد ، أي مثل الأسد ، وهو تمثيل وتشبيه.
وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم.
وقال محمد بن كعب القُرَظيّ والربيع بن أنَس: هو غسَالة أهل النار ، وذلك ماء يسيل من فروج الزناة والزواني.
وقيل: هو من ماء كرهته تَصدّ عنه ، فيكون الصديد مأخوذاً من الصدّ.
وذكر ابن المبارك ، أخبرنا صفوان بن عمرو عن عُبيد الله بن بُسْر عن أبي أُمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ} قال:"يُقرَّب إلى فِيهِ فيكرهه فإذا أدني منه شَوَى وجهه ووقعت فَرْوة رأسه فإذا شربه قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره يقول الله: {وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ} [محمد: 15] ويقول الله: {وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب} [الكهف: 29] "خرجه الترمذي ، وقال: حديث غريب ، وعُبيد الله بن بُسْر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبد الله بن بُسْر.
{يَتَجَرَّعُهُ} أي يَتَحَسَّاه جُرَعاً لا مرة واحدة لمرارته وحرارته.
{وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يبتلعه ؛ يقال: جرع الماء واجترعه وتجرعه بمعنى.
وساغ الشَّرابُ في الحلق يسوغ سوغاً إذا كان سَلِساً سهلاً ، وأساغه اللَّهُ إساغةً.