وقالوا لأبيهم: {وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91] ثم أرادوا أن يخدعوا أباهم بالقميص والدم والبكاء فغلب أمره حتى لم يخدع، وقال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ} [يوسف: 18] ثم احتالوا أن تذهب محبته عن قلب أبيه فقلب أمره حتى زادت المحبة والشوق في قلبه، ثم دبر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي فغلب أمره حتى نسي الساقي ذكر يوسف {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42] ، ثم احتالت امرأة العزيز أن تزيل المراودة عن نفسها حين قالت: {مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: 25] فغلب أمره حتى شاهد الشاهد من أهلها.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] على ما أراد من قضائه لا يغلب على أمره غالب، ولا يبطل إرادته منازع فهو قادر على أمره من غير منازع، قال جعفر بن محمد الصادق سلام الله عليهما: البرهان النبوة التي أودع الله تعالى في العلم في صدره فهي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله، وقيل: هو ما أتاه الله تعالى في العلم والحكمة.
وقال أهل الإشارة: إن المؤمن له برهان من ربه في صدره من معرفته فرأى ذلك البرهان وزواجره، وقال سهل: عصمه الله من الفعل ولم يعصمه من الهم، وقال المزني: غلب عليها الطبع فهمت بالمعصية وغلب على يوسف التوفيق.
ومن العبر والمواعظ والفوائد في هذه القصة.
* أنه قال: لقد كان في يوسف وإخوته فلم ينقطع الوصلة بينهم بالجفاء الذي وقع منهم؛ لبقاء أصل الدين في مؤاخاته بخلاف ابن نوح، فإنه قال في حقه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} [هود: 46] ولا في إخوة يوسف عزموا على أن يتضرعوا إلى الله إلى التوبة والإنابة.