وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص على وجه أبيه يردُّ إليه بصره ، بإذن من الحق سبحانه وتعالى ، فضلاً عن أن الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية ، وهكذا تجلَّتْ انتصارات الحقِّ والنبوة .
وقال يعقوب عليه السلام:
{أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96] .
ولم يَقُلْ ذلك إذلالاً لهم ، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي ، وأن الواقع قد أيَّد الكلام الذي قاله لهم: {يابني اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون} [يوسف: 87] .
فإذا جاءكم خبر من معصوم ؛ إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه ؛ لأن العقول تأخذ مُدْركات الأشياء على قَدْرها ، وهناك أشياء فوق مُدْركات العقول .
وحين يُحدِّثكم معصوم عن ما فوق مُدْركات عقولكم إياكم أن تُكذِّبوه ؛ سواء فهمتم ما حدَّثكم عنه ، أو لم تستوعبوا حديثه عَمَّا فوق مُدْركات العقول .
وهنا يقرّ أخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه: {قَالُواْ يا أبانا استغفر ...} .
وهم هنا يُقِرُّون بالذنب ، ويُحدِّثون والدهم بنداء الأبوة كي يستغفر لهم ما ارتكبوه من ذنوب كثيرة ، فقد آذَوْا أباهم وجعلوه حزيناً ، ولا يسقط مثل هذا الذنب إلا بأن يُقِرَّ به مَنْ فعله ، ونلحظ أنهم قالوا: {إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97]
أي: أنهم كانوا يعلمون الصواب ، ولم يفعلوه .
ويأتي الحق سبحانه بما قاله يعقوب: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ...}
ونلحظ أن يوسف قد قال لهم من قبل: {لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين} [يوسف: 92]
لكن والدهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي ...} [يوسف: 98]