ثم أجابه قومه بما يدلّ على فرط جهالتهم ، وعظيم غباوتهم ، فقالوا {ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ} أي: بحجة واضحة نعمل عليها ، ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه ، عناداً وبعداً عن الحق {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا} التي نعبدها من دون الله ، ومعنى: {عَن قَوْلِكَ} صادرين عن قولك ، فالظرف في محل نصب على الحال {وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} أي: بمصدّقين في شيء مما جئت به {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء} أي: ما نقول إلا أنه أصابك بعض آلهتنا التي تعيبها ، وتسفه رأينا في عبادتها بسوء بجنون ، حتى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا ، وتكرره علينا من التنفير عنها ، يقال عراه الأمر واعتراه: إذا ألمّ به ، فأجابهم بما يدلّ على عدم مبالاته بهم ، وعلى وثوقه بربه وتوكله عليه ، وأنهم لا يقدرون على شيء مما يريده الكفار به ، بل الله سبحانه هو الضارّ النافع فقَالَ {إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا} أنتم {إِنّى بَرِئ مّمَّا تُشْرِكُونَ} به {مِن دُونِهِ} أي: من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطاناً {فَكِيدُونِى جَمِيعًا} أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على الإضرار بي ، وأنها اعترتني بسوء {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي: لا تمهلوني ، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم ؛ وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصكّ مسامعهم ، ويوضح عجزهم ، وعدم قدرتهم على شيء .
{إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّى وَرَبّكُمْ} فهو: يعصمني من كيدكم ، وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ ، فمن توكل على الله كفاه.