ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته ، وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم ، وأنه مالك للجميع ، وأن ناصية كل دابة من دوابّ الأرض بيده ، وفي قبضته وتحت قهره ، وهو تمثيل لغاية التسخير ونهاية التذليل ، وكانوا إذا أسروا الأسير وأرادوا إطلاقه ، والمنّ عليه جزوا ناصيته ، فجعلوا ذلك علامة لقهره.
قال الفراء: معنى آخذ بناصيتها: مالكها والقادر عليها ، وقال القتيبي: قاهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته.
والناصية: قصاص الشعر من مقدّم الرأس ؛ ثم علل ما تقدّم بقوله: {إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ} أي: هو على الحق والعدل ، فلا يكاد يسلطكم عليّ {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي: تتولوا فحذفت إحدى التاءين ، والمعنى: فإن تستمروا على الإعراض عن الإجابة والتصميم على ما أنتم عليه من الكفر {فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ} ليس عليّ إلا ذلك ، وقد لزمتكم الحجة {وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ} جملة مستأنفة لتقرير الوعيد بالهلاك ، أي يستخلف في دياركم وأموالكم قوماً آخرين ، ويجوز أن يكون عطفاً على {فقد أبلغتكم} .
وروى حفص عن عاصم أنه قرأ {ويستخلف} بالجزم حملاً على موضع فقد أبلغتكم {وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا} أي: بتوليكم ، ولا تقدرون على كثير من الضرر ولا حقير {إِنَّ رَبّى على كُلّ شَيْء حَفِيظٌ} أي رقيب مهيمن عليه يحفظه من كل شيء ، قيل: و"على"بمعنى اللام ، فيكون المعنى: لكل شيء حفيظ ، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء.