الثالث: كالذي قبله إلا أن"أنَّ"وما بعدها في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ بعد حذف الجار ، إذ التقدير: لا محالةَ في أنهم في الآخرة ، أي: في خسرانهم . الرابع: أن"لا"نافيةٌ لكلامٍ متقدمٍ تكلَّم به الكفرة ، فردَّ اللَّه عليهم ذلك بقولِه:"لا"، كما تَرُدُّ"لا"هذه قبل القسم في قوله: {لاَ أُقْسِمُ} [القيامة: 1] ، وقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [النساء: 65] وقد تقدَّم تحقيقه ، ثم أتى بعدها بجملةٍ فعليةٍ وهي"جرم أنَّ لهم كذا". وجَرَمَ فعلٌ ماضٍ معناه كسب ، وفاعله مستتر يعود على فعلهم المدلولِ عليه بسياقِ الكلام ، و"أنَّ"وما في حيِّزها في موضع المفعول به لأنَّ"جَرَم"يتعدى إذ هو بمعنى كَسَبَ . قال الشاعر:
2646 نَصَبْنا رأسَه في جِذْعِ نَخْلٍ ... بما جَرَمَتْ يداه وما اعتدَيْنا
أي: بما كسبَتْ ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في المائدة . وجريمةُ القومِ كاسبُهم ، قال:
2647 جريمةُ ناهِضٍ في رأسِ نِيْقٍ ... ترى لعظامِ ما جَمَعَتْ صَليبا
فتقديرُ الآية: كَسَبَهم فِعْلُهم أو قولُهم خسرانَهم ، وهذا هو قولُ أبي إسحاق الزجاج ، وعلى هذا فالوقف على قوله:"لا"ثم يُبتدأ ب"جَرَمَ"بخلاف ما تقدَّم .
الوجه الخامس: أنَّ معناها لا صَدَّ ولا مَنْعَ ، وتكون"جَرَمَ"بمعنى القطع ، تقول: جَرَمْتُ ، أي: قطعت ، فيكون"جرم"اسمَ"لا"مبنيٌّ معها على الفتح كما تقدم ، وخبرها"أنَّ"وما في حيِّزها ، أو على حَذْف حرف الجر ، أي: لا منع من خسرانهم ، فيعود فيه الخلافُ المشهور .
وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ: يُقال لا جِرَمَ بكسر الجيم ، ولا جُرَم بضمِّها ، ولا جَرَ بحذف الميم ، ولا ذا جَرَم ، ولا إنَّ ذا جَرَم ، ولا ذو جَرَم ، ولا عن ذا جَرَم ، ولا إنْ جَرَم ، ولا عن جَرَم ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ لا أفعل ذلك .