والاختلاف بين صيغ أفعال الكون إذ جاء أولها بصيغة المضارع والثلاثة بعده بصيغة الماضي لأن المضارع المجزوم بحرف (لم) له معنى المضي فليس المخالفة منها إلاّ تفنناً.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ}
استئناف ، واسم الإشارة هنا تأكيد ثان لاسم الإشارة في قوله: {أولئك يعرضون على ربهم} [هود: 18] .
والموصول في {الذين خسروا أنفسهم} مراد به الجنس المعروف بهذه الصلة ، أي إن بلغكم أنّ قوماً خسروا أنفسهم فهم المفترون على الله كذباً ، وخسارة أنفسهم عدم الانتفاع بها في الاهتداء ، فلما ضلوا فقد خسروها.
وتقدم الكلام على {خسروا أنفسهم} عند قوله تعالى: {الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون} في سورة [الأنعام: 12] .
والضلال: خطأ الطريق المقصود.
و {ما كانوا يفترون} ما كانوا يزعمونه من أن الأصنام تشفع لهم وتدفع عنهم الضر عند الشدائد ، قال تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قرباناً آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} [الأحقاف: 28] .
وفي إسناد الضلال إلى الأصنام تهكم على أصحابها.
شبهت أصنامهم بمن سلك طريقاً ليلحق بمن استنجد به فضَلّ في طريقه.
وجملة {لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون} مستأنفة فذلكة ونتيجة للجمل المتقدمة من قوله: {أولئك يعرضون على ربهم} [هود: 18] لأنّ ما جمع لهم من الزج للعقوبة ومن افتضاح أمرهم ومن إعراضهم عن استماع النذر وعن النظر في دلائل الوحدانية يوجب اليقين بأنهم الأخسرون في الآخرة.
و (لا جرم) كلمة جزْم ويقين جرت مجرى المثل ، وأحسب أن (جرم) مشتقّ مما تنوسي ، وقد اختلف أئمّة العربية في تركيبها ، وأظهر أقوالهم أن تكون (لا) من أول الجملة و (جرم) اسم بمعنى محالة أي لا محالة أو بمعنى بدّ أي لا بدّ.
ثم يجيء بعدها أنّ واسمها وخبرها فتكون (أنّ) معمولة لحرف جرّ محذوف.
والتقدير: لا جرم من أن الأمر كذا.