وزعم بعضهم أن المضاعفة لحفظ الأصل إذ لولا ذلك لارتفع ولم يبق عذاباً للإلف بطول الأمد وفيه ما فيه ، وقيل: إن الجملة بيان لما نفى من ولاية الآلهة فإن ما لا يسمع ولا يبصر بمعزل عن الولاية وقوله سبحانه: {يضاعف} الخ اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر بسوء العاقبة ، وفيه أنه مخالف للسياق ومستلزم تفكيك الضمائر ، وجوز أبو البقاء أن تكون {مَا} مصدرية ظرفية أي يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع وإبصارهم ، والمعنى أن العذاب وتضعيفه دائم لهم متماد ، وأجاز الفراء أن تكون مصدرية وحذف حرف الجر منها كما يحذف من أن وأن ، وفيه بعد لفظاً ومعنى.
{أولئك} الموصوفون بتلك القبائح.
{الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى شأنه ، وقيل: {خَسِرُواْ} بسبب تبديلهم الهداية بالضلالة والآخرة بالدنيا وضاع عنهم ما حصلوه بذلك التبديل من متاع الحياة الدنيا والرياسة.
وفي"البحر"أنه على حذف مضاف أي {خَسِرُواْ} سعادة أنفسهم وراحتها فإن أنفسهم باقية معذبة.
وتعقب بأن إبقاءه على ظاهره أولى لأن البقاء في العذاب كلا بقاء {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الآلهة وشفاعتها
{لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) }
أي لا أحد أبين أو أكثر خسراناً منهم ، فأفعل للزيادة إما في الكم.
أو الكيف ، وتعريف المسند بلام الجنس لإفادة الحصر ، وإن جعل {هُمْ} ضمير فصل أفاد تأكيد الاختصاص ، وإن جعل مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر أن أفاد تأكيد الحكم ، وفي {لاَ جَرَمَ} أقوال: ففي البحر عن الزجاج أن لا نافية ومنفيها محذوف أي لا ينفعهم فعلمهم مثلا ، وجرم فعل ماض بمعنى كسب يقال: جرمت الذنب إذا كسبته ؛ وقال الشاعر:
نصبنا رأسه في جذع نخل...
بما {جرمت} يداه وما اعتدينا