فإذا ما جاء إنسان مثله ليقول له: إن خالق الدنيا هو الله تعالى ، وهو سبحانه يطلب منك كذا وكذا ، كان أمراً منطقياً وطبيعياً أن نسمع لهذا الإنسان ونطابق ما يقول على إحساس الفطرة ورؤية البينات .
إذن: فنحن نصل إلى المجهول أولاً بالفطرة ، وقد نصل بالبديهة التي لا تشوبها أدنى شبهة ، فأنت حين ترى دخاناً تعتقد بالبديهة أن هناك ناراً ، وحين تسير في الصحراء وترى خضرة ؛ ألا تعتقد أن هناك مياهاً ترويها؟
هذه إذن أمور تعرفها بالبديهة ، ولا تحتاج إلى بحث أو جهد .
وهناك أمور قد تتطلب منك جهداً عقلياً تبحث به عما بعد المقدمات ، مثل الجهد العقلي الذي استدل به العربي على أن هناك إلهاً خالقاً يُدير هذا الكون ، فاستدل من البعرة على وجود البعير ، وأن أثر القدم يدل على المسير ، واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات الأبراج ، والأرض ذات الفجاج ، والبحار ذات الأمواج ، كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير .
كل هذه الأمور لم يقدر العقل إلا على الحكم عليها جملة ، وإن لم يعرف التفصيل .
لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقاً ، صانعاً ، حكيماً ، لكنه لم يعرف اسماً له ، وهذا أمر لا يعرفه الإنسان بالعقل ، ولا يعرف أيضاً ما هو المنهج المطلوب لهذا الخالق ، وبماذا يجزي المطيع له ، ولا بماذا يعاقب العاصي له .
إذن: لا بد من بلاغ عن الله تعالى يدل على القوة التي اقتنعت بها جملة .
والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقاً ، لكن لا يعرفون اسمه ، ولا مطلوبه .
إذن: فأنت لا تعرف اسم الله إلا منه ، عن طريق الوحي إلى رسوله ، ولا تعرف مطلوب الله إلا من الرسول الذي أنزل عليه البلاغ .