وإذا كان المراد بـ {من كان على بيّنة من ربّه} النصارى خاصة كان لذكر {كتاب موسى} إيماء إلى أن كتاب موسى عليه السلام شاهد على صدق محمّد صلى الله عليه وسلم ولم يُذكر أهل ذلك الكتاب وهم اليهود لأنهم لم يكونوا على بيّنة من ربّهم كاملةٍ من جهة عدم تصديقهم بعيسى عليه السلام.
و {إماماً ورحمة} حالان ثناء على التوراة بما فيها من تفصيل الشريعة فهو إمام يهتدى به ورحمة للنّاس يعملون بأحكامها فيرحمهم الله في الدنيا بإقامة العدل وفي الآخرة بجزاء الاستقامة إذ الإمام ما يؤتم به ويعمل على مثاله.
والإشارة بـ {أولئك} إلى {من كان على بينة من ربّه} ، أي أولئك الذين كانوا على بيّنة من ربهم يؤمنون بالقرآن وليسوا مثلكم يا معشر المشركين ، وذلك في معنى قوله تعالى: {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين} [الأنعام: 89] .
وإقحام {أولئك} هنا يشبه إقحام ضمير الفصل ، وفيه تنبيه على أن ما بعده من الخبر مسبب على ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف وهي كونهم على بينة من ربهم معضدة بشواهد من الأجيل والتوراة.
وجملة {أولئك يؤمنون به} خبر {من كان على بينة من ربه} .
وضمير (به) عائد إلى القرآن المعلوم من المقام أو من تقدم ضميره في قوله {أم يقولون افتراه} [هود: 13] .
وبه ينتظم الكلام مع قوله: {أم يقولون افتراه} إلى قوله: {فاعلموا أنما أنزل بعلم الله} [هود: 13 ، 14] أي يؤمنون بكون القرآن من عند الله.
والباء للتعدية لا للسببية ، فتعدية فعل (يؤمنون) إلى ضمير القرآن من باب إضافة الحكم إلى الأعيان وإرادة أوصافها مثل {حرمت عليكم أمهاتكم} [النساء: 23] ، أي يؤمنون بما وصف به القرآن من أنه من عند الله.