فالغالب على الولي في حال صحوه كما قال القشيري في باب كرامات الأولياء من"رسالته"صدقُه في أداء حقوق ربه سبحانه، ثم رفقه والشفقة على الخلق في جميع أحواله، ثم انبساط رحمته لكافة الخلق، ثم دوام تحمله عنهم بجميل الخلق، وانتدابه لطلب الإحسان من الله إليهم من غير التماس منهم، وتعليق الهمة تجاه الخلق، وترك الانتقام منهم، والتوقي عن استشعار حقه عليهم مع قصر اليد عن أموالهم، وترك الطمع بكل وجه فيهم، وقبض اللسان عن بسطه بالسوء فيهم، والتصاون عن شهود مساوئهم، وترك الانتقام منهم، ولا يكون خصماً لأحد في الدنيا والآخرة.
هذا ما ذكره القشيري، ويستثنى من قوله: وترك الانتقام منهم والتوقي عن استشعار حقه عليهم: ما لو انتهكت محارم الله؛ فيجب الغضب عند ذلك على المنتهك من حيث جرأتُه على الله تعالى، لا من
حيث إن الله تعالى قلبه في ذلك، فيرحمه من هذه الحيثية ويود أن لو عوفي من ذلك.
وكذلك انبساط رحمته لكافة الخلق من حيث ضعفهم، لا من حيث إن الله تعالى أراد ما أراد فيهم، فليس له أن يريد خلاف ما أراده الله تعالى.
قال القشيري: وقيل: إن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى قال لرجل: أتحب أن تكون لله وليًا؟
قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفَرغ نفسك لله عز وجل، وأقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"الأولياء"عن مسمع بن عاصم قال:
اختلف العابدون عندنا في الولاية، فقال بعضهم إذا استحقها عبد لم يهم بشيء إلا ناله في دين كان أو دنيا.
وقال الآخر: الولي لا يعصى غير أنه لا يدرك الشيء الذي يريده من الدنيا بهمه، ولا يدركه إلا بطلبه كأنهم يقولون: يدعو فيجاب.
وقال آخرون: المستحق للولاية لا يعرض لانتقاص حظه من الآخرة.
فتكلموا في ذلك بكلام كثير، فأجمعوا على أن يأتوا امرأة من بني عدي يقال لها: أمة الجليل بنت عمرو العدوية، وكانت منقطعة جداً من طول الاجتهاد، فاستأذنوا عليها، فأذنت لهم، فعرضوا عليها اختلافهم،
فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا، ليس للولي المستحق في الدنيا من حاجة.
ثم أقبلت على بعضهم فقالت: من حدثك، أو أخبرك أن وليّه له هم غيره فلا تصدقه.