ومعنى الْخَبَر أَن تلك الرؤيا رؤيا صدق وتأويلها حق وأن الرؤيا نوع من أنواع الكرامات وتحقيق الرؤيا خواطر ترد عَلَى القلب وأحوال تتصور فِي الوهم إِذَا لَمْ يستغرق النوم جَمِيع الاستشعار فيتوهم الإِنْسَان عِنْدَ اليقظة أَنَّهُ كَانَ رؤية فِي الحقيقة وإنما كَانَ ذَلِكَ تصورا وأوهاما تقررت فِي قلوبهم وحين زال عَنْهُم الإحساس الظاهر تجردت تلك الأوهام عَنِ المعلومات بالحس والضرورة فقوبت تلك الحالة عِنْدَ صاحبها فَإِذَا استيقظ ضعف تلك الأحوال الَّتِي تصورها بالإضافة إِلَى حال إحساسه بالمشاهدات وحصول العلوم الضرورية ومثاله كالذي يَكُون فِي ضوء السراج عِنْدَ اشتداد الظلمة فَإِذَا طلعت الشَّمْس عَلَيْهِ غلبت ضوء السراج , فيتقاصر نور السراج بالإضافة إِلَى ضياء الشَّمْس
فمثال حال النوم كمن هُوَ فِي ضوء السراج ومثال المستيقظ كمن تَعَالَى عَلَيْهِ النهار فَإِن المستيقظ يتذكر مَا كَانَ متصورا لَهُ فِي حال نومه ثُمَّ إِن تكل الأحاديث والخواطر الَّتِي كانت ترد عَلَى قلبه فِي حال نومه مرة تكون من قبل الشَّيْطَان ومرة من هواجس النفس ومرة بخواطر الْمَلِك ومرة تكون تعريفا من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بخلق تلك الأحوال فِي قلبه ابتداء وَفِي الْخَبَر أصدقكم رؤيا أصدقكم حَدِيثا واعلم أَن النوم عَلَى أقسام نوم غفلة ونوم عادة وَذَلِكَ غَيْر محمود بَل هُوَ معلول لأنه أَخُو الْمَوْت.
وَفِي بَعْض الأخبار المروية: النوم أَخُو الْمَوْت.
وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} [الأنعام: 60] وَقَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا} [الزمر: 42] وقيل: لو كَانَ فِي النوم خير لكان فِي الْجَنَّة نوم.
وقيل: لما ألقى اللَّه عَلَى آدم النوم فِي الْجَنَّة أخرج منه حواء وكل بلاء بِهِ إِنَّمَا حصل حِينَ حصلت حواء.
سمعت الأستاذ أبا عَلِي الدقاق يَقُول: لما قَالَ إِبْرَاهِيم لإسماعيل عليهما السَّلام: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] .
قَالَ: يا أبت هَذَا جزاء من نام عَن حبيبه ولو لَمْ تنم لما أمرت بذبح الولد.