وأنه سبحانه بكمال قيوميته لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يضل ولا ينسى، عليم بكل شيء، محيط بكل شيء، قادر على كل شيء.
فهذا المشهد العظيم مشهد الربوبية الذي يدركه كل إنسان.
وأعلى منه مشهد الإلهية الذي هو مشهد الرسل وأتباعهم، وهو شهادة أن (لا إله إلا الله) ، وأن إلهية ما سواه باطل ومحال، كما أن ربوبية ما سواه باطل ومحال.
فلا أحد سواه سبحانه يستحق أن يؤله ويعبد، ويصلى له ويسجد، ويستحق نهاية الحب مع نهاية التعظيم مع نهاية الذل له إلا هو سبحانه.
وذلك لكمال ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو عزَّ وجلَّ المستحق للطاعة التامة وحده، والمعبود وحده، وله الخلق والأمر وحده، وله الحكم وحده، وكل محبة لغيره عذاب لصاحبها، وكل غنى عنه سبحانه فقر وفاقة، وكل عزٍّ بغيره ذلٌّ وصغار، وكل تكثر بغيره قلة وذلة.
فكما استحال أن يكون للخلق رب غيره، فكذلك يستحيل أن يكون لهم إله غيره.
فهو الذي انتهت إليه الرغبات والمخلوقات، وتوجهت نحوه الطلبات والسؤالات، ويستحيل أن يكون معه إله آخر، فهو الغني الصمد بذاته، الذي حاجة كل أحد إليه، ولا حاجة به إلى أحد.
وتوحيد الربوبية أعظم دليل على توحيد الألوهية، ولذلك وقع الاحتجاج به في القرآن أكثر مما وقع بغيره؛ لصحة دلالته وظهورها، وقبول العقول والفطر لها كما قال سبحانه: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) [الأنعام: 102] .
والدرجة الثالثة من درجات الغنى بالرب سبحانه الفوز بوجوده، وهذا الغنى أعلى درجات الغنى.
لأنه غنى بالحق سبحانه، وهو إنما يكون بعد ترقيه من آثار الصفات إلى آثار وجود الذات، وهو نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده، يعرف بذلك النور عظمة الذات كما يعرف عظمة الصفات، ويميز به بين الحي الذي يموت ويفنى، والحي الباقي الذي لا يزول ولا يفنى، فيستغني العبد الفقير بوجود سيده العزيز الرحيم.
فيا له من فقر ينقضي، ومن غنى يدوم، ومن عيش لذيذ.