فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 212440 من 466147

فمن كان معتمداً على سبب غناه واثقاً به لم يطلق عليه اسم الغني؛ لأنه فقير إلى الوسائط.

ومتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن منازعته لأحكام الله، ومن علة مخاصمة الخلق إلا في حقوق ربه استحق أن يكون غنياً بتدبير مولاه، مفوضاً أمره إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئاً من أحكامه.

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في استفتاح صلاة الليل: «اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، أنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إلَهَ

إلا أنْتَ، أوْ: لا إلَهَ غَيْرُكَ» متفق عليه.

وأما غنى النفس فهو استقامتها على المرغوب، وهو أمر الله الديني الذي يحبه ويرضاه، وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها، وأن تكون هذه الاستقامة على الفعل والترك تعظيماً لله سبحانه، وتعظيماً لأمره، وإيماناً به، واحتساباً لثوابه، وخشية من عقابه، لا طلباً لتعظيم المخلوقين ومدحهم له، أو هرباً من ذمهم، أو طلباً للجاه والمنزلة عندهم، فإن هذا دليل الفقر إلى المخلوق لا إلى الله.

أما الغنى بالحق تبارك وتعالى عن كل ما سواه فهي أعلى درجات الغنى، وأول هذه الدرجة أن تشهد ذكر الله عزَّ وجلَّ إياك قبل ذكرك له، وأنه تعالى ذكرك فيمن ذكره من مخلوقاته ابتداء قبل وجودك وطاعتك وذكرك، فقدر سبحانه خلقك ورزقك وعملك، وإحسانه إليك، ونعمه عليك، حيث لم تكن شيئاً البتة.

وذكرك جلَّ جلاله بالإسلام فوفقك له واختارك له دون من خذله، فجعلك أهلاً لما لم تكن له أهلاً قطّ، وإنما هو الذي أهَّلَك بسابق ذكره، وهو الذي أيقظك وغيرك في رقدة الغفلة مع النوام.

ومن الذي وفقك للتوبة وقبلها منك فذقت حلاوتها؟.

ومن الذي وفقك لمحبته وعمر قلبك بمحبته فأنست به بعد الوحشة؟

ثم إنه سبحانه ذكرك بنعمه المترادفة، فله عليك في كل طرفة عين ونفس نعم عديدة، ذكرك بها قبل وجودك، وتحبب بها إليك مع غناه التام عنك وعن كل شيء، وإنما ذلك مجرد إحسانه وفضله وجوده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت