وإنفاذ الوعد له عناصر: أولها الفاعل ، وثانيها المفعول ، وثالثها الزمان ، ورابعها المكان ، ثم السبب .
والحدث يحتاج إلى قدرة ، فإن قلت:"آتيك غداً في المكان الفلاني لأكلمك في موضوع كذا"فماذا تملك أنت من عناصر هذا الحدث ؛ إنك لا تضمن حياتك إلى الغد ، ولا يملك سامعك حياته ، وكذلك المكان الذي تحدد فيه اللقاء قد يصيبه ما يدمِّره ، والموضوع الذي تريد أن تتحدث فيه ، قد يأتي لك خاطر ألا تتحدث فيه من قبل أن يتم اللقاء .
وهَبْ أن كل العناصر اجتمعت ، فماذا تملك أنت أو غيرك من عناصر الوعد؟ لا شيء أبداً .
ولذلك يعلِّم الله سبحانه خَلْقه الأدب في إعطاء الوعود ، التي لا يملكونها ، فيقول سبحانه:
{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله} [الكهف: 2324] .
وحين تقدِّم المشيئة فإن حدث لك ما يمنع إنفاذ الوعد فلن تكون كذاباً .
وهكذا يعلّمنا ربنا صيانة أخبارنا عن الكذب ، وجعلنا نتكلم في نطاق قُدراتنا ، وقُدراتنا لا يوجد فيها عنصر من عناصر الحدث ، لكن إذا قال الله سبحانه ، ووعد ، فلا رادّ لما وعد به سبحانه ؛ لأنه منزَّه عن أن يُخْلف الميعاد ؛ لأن عناصر كل الأحداث تخضع لمشيئته سبحانه ، ولاَ تتأبَّى عليه ، ووعده حق وثابت .
أما أنت فتتحكم فيك الأغيار التي يُجريها الحق سبحانه عليك .
وهَبْ أنك أردت أن تبني بيتاً ، وقلت للمهندس المواصفات الخاصة التي تريدها في هذا البيت ، لكن المهندس لمي يستطع أن يشتري من الأسواق بعضاً من المواد التي حددتها أنت ، فأنت إذن قد أردت ما لا يملك المهندس تصرُّفاً فيه .
لكن الأمر يختلف بالنسبة للخالق الأعلى سبحانه ؛ فهو الذي يملك كل شيء ، وهو حين يَعد يصير وَعْدُه محتَّم النفاذ ، ولكن الكافرين ينكرون ذلك ؛ ولذلك قال الله سبحانه:
{ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [يونس: 55] .
أي: أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة ، فقد سبق أن قالوا: