وفي أغيار الكون الدليل على ذلك ، ففكرك الذي تخطِّط به قد تصيبه آفة الجنون ، والجوارح مثل اليد أو القدم أو اللسان أو العين أو الأذن قد تُصاب أيُّ منها بمرض ؛ فلا تعرف كيف تتصرف .
وكل ما تأتي فيه الأغيار ؛ فهو ليس من ذاتك ، وكل ما تملكه موهوب لك من مسبِّب الأسباب .
فإياك أن تنظر إلى الأسباب ، وتنسى المسبِّب ؛ لأن لله ملك الأشياء التي تحوزها والأدوات التي تحوز بها ؛ بدليل أنه سبحانه حين يشاء يسلبها منك ، فتنبه أيها الغافل ، وإياك أن تظن أن الأسباب هي الفاعلة ، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يخلق الأسباب ؛ ثم يشاء ألا تأتي بنتائجها ، كمن يضع بذور القطن مثلاً ويحرث الأرض ، ويرويها في مواعيدها ، ثم تأتي دودة القطن لتأكل المحصول .
إذن: فمردُّ كل مملوك إلى الله تعالى .
واعلمْ أن هناك مِلْكاً ، وإن هناك مُلْكاً ، والمِلْك هو ما تملكه ؛ جلباباً ؛ أو بيتاً ، أو حماراً ، إلى غير ذلك ، أما المُلْك فهو أن تملك من له مِلْك ، وتسيطر عليه ، فالقمة إذن في المُلْك .
وانظر إلى قول الحق سبحانه:
{قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ} [آل عمران: 26] .
إذن: فالمُلك في الدنيا كله لله سبحانه .
وكلمة"ألا"جاءت في أول الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لتنبِّه الغافل عن الحق ؛ لأن الأسباب استجابت له وأعطته النتائج ، فاغترَّ بها ، فيجعل الله سبحانه الأسباب تختلف في بعض الأشياء ؛ ليظل الإنسان مربوطاً بالمسبِّب .
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
{أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} [يونس: 55] .
والوعد إن كان في خير فهو بشارة بخير يقع ، وإن كان بِشَرٍّ فهو إنذار بشرّ يقع ؛ ويغلب عليه كلمة"الوعيد".
إذن: ففي غالب الأمر تأتي كلمة"وعد"للأثنين: الخير والشر ، أما كلمة"وعيد"فلا تأتي إلا في الشر .
والوعد: هو إخبارٌ بشي سيحدث من الذي يملك أن يُحْدِث الشيء .