{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} الآية ، من باب التهييج والتحضيض ، أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم ، فاجتمعوا كذلك لهم ، أو هو إذن للمؤمنين بقتال المشركين في الشهر الحرام ، إذا كانت البداءة منهم ، كما قال تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ، وقال تعالى: {وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} ، وهكذا الجواب عن حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام ، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف ، فإنهم هم الذين ابتدؤوا القتال ، وجمعوا الرجال ، ودعوا إلى الحرب والنزال ، فعندها قصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، فلما تحصّنوا بالطائف ، ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم ، فنالوا من المسلمين ، وقتلوا جماعة واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريباً من أربعين يوماً ، وكان ابتداؤه في شهر حلال ، ودخل الشهر الحرام ، فاستمر فيه أياماً ، ثم قفل عنهم ، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الإبتداء ، وهذا أمر مقرر ، وله نظائر كثيرة .
فالمحرم هو ابتداء القتال في الأشهر الحرام ، لا إتمامه ، وبهذا يحصل الجمع ، ولذا قال ابن جريج: حلف بالله عطاءُ بن أبي رَبَاح ، ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم ، ولا في الأشهر الحرم ، وما نسخت إلا أن يقاتلوا فيها .
الثامنة ، قال في"الإكليل"في قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةِ الشُّهُورِ} الآية ، إنَّ الله وضع هذه الأشهر وسماها ورتبها على ما هي عليه ، وأنزل ذلك على أنبيائه ، فيستدل بها لمن قال: إن اللغات توقيفية .
التاسعة: في"الإكليل"أيضاً: استدل بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} من قال إن الجهاد في عهده صلى الله عليه وسلم كان فرض عين .