والرحب - بالفتح - الواسع. تقول منه: بلد رحب وأرض رحبة.
وقيل: الباء بمعنى مع، أي: وضاقت عليكم الأرض مع رحبها. وقيل بمعنى على. أي:
على رحبها. وقيل المعنى برحبها فتكون «ما» مصدرية.
والمعنى: اذكروا - أيها المؤمنون - نعم الله عليكم، وحافظوا عليها بالشكر وحسن الطاعة، ومن مظاهر هذه النعم أنه - سبحانه - قد نصركم على أعدائكم مع قلتكم. في مواقف حروب كثيرة كغزوة بدر، وغزوة بنى قينقاع والنضير ... كما نصركم. أيضا. في يوم غزوة حنين، وهو اليوم الذي راقتكم فيه كثرتكم فاعتمدتم عليها حتى قال بعضكم: لن نغلب اليوم من قلة ...
ولكن هذه الكثرة التي أعجبتم بها لم تنفعكم شيئا من النفع في أمر العدو بل انهزمتم أمامه في أول الأمر، وضاقت في وجوهكم الأرض مع رحابتها وسعتها بسبب شدة خوفكم، فكنتم كما قال الشاعر:
كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل
وقوله: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ تذييل مؤكد لما قبله وهو شدة خوفهم.
ووليتم: من التولي بمعنى الإعراض. ومدبرين: من الإدبار بمعنى الذهاب إلى الخلف.
أي: ثم وليتم الكفار ظهوركم منهزمين لا تلوون على شيء .
وهكذا، نرى الآية الكريمة تصور ما حدث من المؤمنين في غزوة حنين تصويرا بديعا
معجزا .. فهي تنتقل من تصوير سرورهم بالكثرة، إلى تصوير عدم نفعهم بهذه الكثرة، إلى تصوير شدة خوفهم حتى لكأن الأرض على سعتها تضيق بهم، وتقفل في وجوههم، إلى تصوير حركاتهم الحسية المتمثلة في تولية الأدبار، والنكوص على الأعقاب.
وبعد هذا الخوف الشديد الذي أصاب المؤمنين في مبدأ لقائهم بأعدائهم في غزوة حنين، يجيء نصر الله الذي عبر عنه - سبحانه - بقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ...
والسكينة: الطمأنينة والرحمة والأمنة وهي فعيلة من السكون: وهو ثبوت الشيء بعد التحرك. أو من السكن وهو كل ما سكنت إليه واطمأننت به من أهل وغيرهم.
أي: ثم أنزل الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين رحمته التي تسكن إليها القلوب، وتطمئن بها اطمئنانا يستتبع النصر القريب.