وانعطف الناس فتراجعوا .. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من تراب ثم رمى بها القوم، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون ويأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا والأسرى مجندلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه خلاصة لغزوة حنين التي اجتمع فيها للمسلمين - للمرة الأولى - جيش تعداده اثنا عشر ألفا، فلما أعجبتهم هذه الكثرة والقوة .. أصيبوا بالهزيمة في أول معركة .. ليعلموا أن كثرتهم لن تغنى عنهم شيئا إذا لم يكن عون الله معهم.
فقوله - تعالى -: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً تذكير للمؤمنين ببعض نعم الله عليهم حتى يداوموا على طاعته ومحبته. وحتى لا يغتروا بقوتهم مهما كثرت.
والمواطن: جمع موطن. وهو المكان الذي يقيم فيه الإنسان. يقال: استوطن فلان بمكان كذا، إذا جعله وطنا له.
والمراد بالمواطن هنا: الأماكن التي حدثت فيها الحروب بين المسلمين وأعدائهم.
قال الآلوسي: وقوله: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ معطوف على محل مواطن وعطف ظرف الزمان على ظرف المكان وعكسه جائز .. وأوجب الزمخشري كون يَوْمَ منصوبا بفعل مضمر والعطف من قبيل عطف الجملة على الجملة.
أي: «ونصركم يوم حنين .. » .
وقوله: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ بدل من يوم حنين، أو عطف بيان له.
وأعجبتكم: من الإعجاب بمعنى السرور بما يتعجب منه. وسبب هذا الإعجاب أن عدد المسلمين كان اثنا عشر ألفا، وعدد أعدائهم كان أربعة آلاف.
وقوله: فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً بيان للأثر السيئ الذي أعقب الإعجاب بالكثرة، وأن سرورهم بهذه الكثرة لم يدم طويلا، بل تبعه الحزن والهزيمة.
وقوله: تُغْنِ من الغناء بمعنى النفع. تقول: ما يغنى عنك هذا الشيء ، أي:
ما يجزئ عنك وما ينفعك وقوله: وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ بيان لشدة خوفهم وفزعهم.
قال القرطبي: والرحب - بضم الراء - السعة. تقول منه: فلان رحب الصدر.