نقول: إن هذا غير صحيح ، ففترة السلام هذه تكون شَحْذاً لِهمَمِ المقاتلين ضد الكفر والظلم ؛ لأنك قد ترى الباطل أمامك لكنك تمتثل لأمر الله في وقف القتال ، فإن ذلك يزيد الانفعال الذي يحدثه الباطل في تحديه للنفس المؤمنة ، فإذا انتهت الأشهر الحرم كنت أكثر حماسة . تماماً كالإنسان الحليم الذي يرى إنساناً يضايقه باستمرار فيصبر عليه شهراً واثنين وثلاثة ، فإذا نفذ صبره كان غضبه قوياً شديداً ، وقتاله شرساً ، ولذلك قيل:"اتقوا غضب الحليم"؛ لأن غضبه أقوى من غضب أي إنسان آخر . وكذلك يكون حِلْم المؤمن على الكافر في الأشهر الحرم ؛ شحذاً لهمته إذا استمر الباطل في التحدي ، وفي هذا تحذير للمسلمين من أن تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم فيه ، ولذلك يقول الحق سبحانه:
{وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً}
وكلمة {كَآفَّةً} هنا سبقها أمران: {وَقَاتِلُواْ} فإلي أي طرف ترجع {كَآفَّةً} هنا؟ هل تُرجعها إلى المؤمنين المقاتلين ، أم إلى المقاتلين من الكفار؟ وهذا إثراء في الأداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي يمكن أن نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى .
ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل المشركين حالة كوننا - نحن المؤمنين - كافة؟ أم نقاتل المشركين حالة كونهم كافة؟ . إن {كَآفَّةً} كما نعرف لفظ لا يُجمَعُ ولا يُثنَّى ، فالرجل كافة ، والرجلان كافة ، والقوم كافة ، وهي مأخوذة من الكف . وتطلق أيضاً على حافة الشيء لأنها منعت امتداده إلى حيز غيره . وفي لغة من يقومون بحياكة الملابس يقال:"كافة الثوب"حين يكون الثوب حين يكون الثوب قد تنسل ، فيقول الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب .
والحق سبحانه هنا يقول: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} أي: يا أَيُّهَا المؤمنون كونوا جميعاً في قتال المشركين . وهي تصلح للفرد ، أي: للمقاتل الواحد ، وللمقاتليْن ، ولجماعة المقاتلين .