وقوله: {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً} ذلك أن الباطل يتجمع مع الباطل دائماً ، والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا مع الكفار ضد المسلمين ، فكما أن الباطل يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر والشرك .
ويقول الإمام علي كرم الله وجهه:"أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم وفشلكم عن حقكم"ويتعجب الإمام علي رضي الله عنه من أن أهل الحق يفرطون في حقهم رغم اجتماع أهل الباطل على باطلهم . ويعطينا القرآن صورة من تجمُّع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة: {هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً ...} [النساء: 51] .
أي أن اليهود قالوا: إن عبدة الأصنام أهدى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه ، قالوا ذلك رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم كانوا يقولون لأهل المدينة من المشركين: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم . كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول الله وأوصافه وزمانه . وعندما تحقق ما في كتبهم كفروا به واجتمعوا مع أهل الباطل .
وهنا يوضح لنا الحق: ما دام الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فلا بد أن تجتمعوا على دحض الباطل وإزهاقه ؛ ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين} إذن: فالله يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال الكافرين ، ولأن الله مع الذين آمنوا ؛ لذلك فهو ينصر المؤمنين ، وإذا وُجدَ الله مع قوم ولم يوجد مع آخرين ، فأيُّ الكفتين أرجح؟ لا بد من رجحان كفة المؤمنين . {واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين}
والعلم - كما قلنا - حكم يقين عليه دليل ، أي لا يحتاج إلى دليل ؛ لأن العلم هو أن تأتي بقضية غير معلومة ، م تقيم الدليل عليها لتصبح يقيناً .