وقوله {شاهدين على أنفسهم} حال من الواو في {يعمروا} والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارة معابد الله مع الكفر به. وفي تفسير هذه الشهادة أقوال أصحها أنهم أقروا على أنفسهم بعبادة الأوثان وتكذيب النبي والقرآن ولهذا قال السدي: هي أن النصراني إذا قيل له ما أنت؟ قال: نصراني. واليهودي يقول: يهودي ، وعابد الوثن يقول: أنا عباد الوثن. وقيل: هي قولهم في طوافهم"لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". وعن ابن عباس أنه قال: المراد أنهم يشهدون على محمد بالكفر. وإنما جاز هذا التفسير لقوله تعالى {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] ثم بيّن تعالى ما هو الحق في هذا الباب فقال {أولئك حبطت أعمالهم} الصادر عنهم كإكرام الوالدين وبناء الربط وإطعام الجائع لأنه لا يفيد مع الكفر طاعة لأن الكفر يوجب عقاب الأبد ولهذا قال {وفي النار هم خالدون} ولإفادة هذا التركيب الحصر احتجت الأشاعرة به على خلاص صاحب الكبيرة. ثم وصف من له استئهال عمارة المسجد فقال {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} لأن المرء ما لم يعرف المبدأ والمعاد لا يصح منه التوجه إليه. وإنما طوى ذكر الرسول تنبيهاً على أنه واسطة والتوجه الحقيقي من الله وإلى الله ولهذا ورد في الحديث:"المصلي يناجي ربه"وقيل: إن المشركين كانوا يقولون إن محمداً أدّعى رسالة الله طلباً للرياسة والملك فلنفي هذه التهمة ترك ذكره صلى الله عليه وسلم. وقيل: دل عليه بقوله {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} لأنهما معلومتان من أفعاله صلى الله عليه وسلم ولما في الصلاة من التشهد وقبلها الأذان والإقامة. ثم إن إقامة الصلاة لا ريب أن فيها عمارة المسجد والحضور فيه ، وأما إيتاء الزكاة فإنما كان سبباً للعمارة لأنه يحضر المسجد طوائف الفقراء والمساكين لأخذ الزكاة ، ولأن إيتاء الزكاة واجب وبناء المسجد وإصلاحه نفل والإنسان