وقول الحق هنا: {إِنَّ عِدَّةَ الشهور عِندَ الله اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ الله} فما دام العدد هو اثنا عشر شهراً تكون قد زادت عن جمع القلة ؛ لأن جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة ، وجمع القلة يعاملونه معاملة الجماعة . وإن زاد على عشرة يعاملونه معاملة المفرد المؤنث ، مثل وضع الشهور الأربعة المحرمة في كتاب الله ، ولذلك قال: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} وجاء هنا ب"نون النسوة"للجمع . والقاعدة - كما قلنا - إن جمع القلة يعامل معاملة الجماعة ، فإن كان جمع كثرة عومل معاملة المفرد المؤنث ؛ لأن الفرد يكون معصوماً بالجماعة ، أي أنه بمفرده ضعيف . فإن وجد جماعة ينتمي إليها فهو يُحِسُّ بالقوة .
إذن: فالفرد يعصم بالجماعة ، وبهذا تعامل الحماعة كلها كهيئة واحدة ، وهناك شاعر يستهزئ بقوة جماعة ما ، فيقول:
لاَ أُبَالِي بِجمْعِهِنَّ فَجَمْ ... عُهُنَّ كُلُّ جَمْعٍ مُؤنَّثٍ
إذن: فكل جمع يكون مؤنثاً ، وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} . وأكرر: إن أردت الظلم العام فإن الله قد حرم الظلم في كل شهور السنة ؛ سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس ، وإن أردتَ من معنى الكلام تحريم الحرب في الأشهر الحرم تكون: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} قد أتت بالمؤنث .
ومعنى قوله: {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} أي: إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج الله يحدث منها شيء يضر الحق سبحانه ، فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم ، لكن لن يضر أحدكم الله ؛ لأن صفات الله في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عَصَوا . ولذلك فإن اتباع منهج الله هو أمر لصالح الناس ، لصالحنا نحن ، فانصرافنا عن المنهج لا يضر الله سبحانه شيئاً ولكن يضرنا نحن ، فكل ما أنزله الله من قيم هو لصالحنا حرباً وسلاماً ، وتحريماً وتحليلاً .