ولكن لماذا خصَّ الحق سبحانه الشمس بحساب اليوم ، والقمر بحساب الشهر؟ وأقول: لأن الله سبحانه يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن ، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما يكلفهم به . فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف دائماً ، ومن يعيش مثلاً في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفاً يتعرض لأخطار شديدة ، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة ، والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج ، فلو كان ميعاد الحج هو الصيف دائماً ، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة ، بينما يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة ، ولتمام عدل الله بين خلقه نجده سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية ، فلا يأتي الحج أبداً في طقس واحد ، وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في أحكام الله .
وأيضا صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائماً ، لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني أو تسع ساعات ، والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في اليوم ، ولكن مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون مرة تسع عشرة ساعة مثلاً ، ومرة ساعتين أو ثلاثاً ، وهذه تعوض تلك ، فيتم العدل ، وإذا أخذنا متوسط ساعات الصيام بالنسبة لهؤلاء الناس على مدار السنة ، نجد أن فترات صومهم فترة تسع عشرة ساعة وفترات ثلاث ساعات ، وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني أو تسع ساعات يومياً .