ولكن لماذا لم يجعل الحق الأشهر سلاماً؟ نقول: إن الحق في تشريعه أراد أن يسود السلام ، ولكن الحرب أيضاً قد تكون سبباً لتحقيق السلام ، فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة ، فمن الممكن أن تخرج جماعة عن الجادة ، ولهذا لا بد من قتال تلك الجماعة ، ولا بد كذلك من وقفة للخير أمام الشر ، وما دام الإنسان له اختيار ؛ فقد يسير في اختياره إلى ناحية السوء ؛ لذلك لا بد أن يضرب المجتمع على يد المسيء ، وإذا ما اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداءً ، فالحرب ضرورة للدفاع .
وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياماً حُرُماً لأذلَّ الكفار والمشركون المؤمنين ؛ لأن الكفار والمشركين سيعصون الله ويحاربون ، والمؤمنون ملتزمون بأمر الله ، فكأن الله قد فرض العبودية على المؤمن به . وأعطى السيادة لغير المؤمن . ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون ، وقوى الحق والباطل تتقاتل ، ولا بد من وقفة للحق أمام الباطل ، ولذلك أباح الحق في الأشهر الحرم القتال ، حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق بالقوة ، ولذلك قال شوقي:
الحرْبُ في حَقٍّ لَديْكَ شريعةٌ ... ومِنَ السُّمُومِ النَّافِعَاتِ دَوَاءُ
إذن: فقد شاء الله أن يوجد من يقاوم الباطل ، وضمن للحق أن يحارب الباطل ويواجهه ؛ لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله . ولكنه شرع هذا التحريم فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلاوة السلام ويتوقف فيها القتال وتتاح الفرصة للصلح .