ثم أمر الله أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة ، فلما بدا نور العرش ، انفرج الجبل من عظمة الرب جلا جلاله ، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا ، يقولون: سبحان الملك القدوس ، رب العزة أبدا لا يموت ، بشدة أصواتهم ، فارتج الجبل ، واندكت كل شجرة كانت فيه ، وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ، ليس معه روحه ، فأرسل الله برحمته الروح ، فتغشاه ، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى ، وجعله كهيئة القبة ؛ لئلا يحترق موسى1 فأقام موسى يسبح الله ، ويقول: آمنت بك ربي ، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه ، فما أعظمك وأعظم ملائكتك ، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك ، ولا يعدلك شيء ، ولا يقوم لك شيء ، ربِّ تُبْتُ إليك ، الحمد لله لا شريك لك ، ما أعظمك ، وما أجللك رب العالمين ، فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ، وبعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدى من نور الله ، قال: ووقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل ، وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد ، وورقان ورضوى ، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور ، وثبير ، وحراء2.
وهذه المرويات وأمثالها مما لا نشك أنها من إسرائيليات بني إسرائيل ، وكذبهم على الله ، وعلى الأنبياء ، وعلى الملائكة ، فلا تلقِ إليها بالًا ، وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات ، والآية ظاهرة واضحة ، وليس فيها ما يدل على امتناع رؤية الله في الآخرة كما دل على ذلك القرآن الكريم ، والسنة الصحيحة المتواترة ، وغاية ما تدل عليه امتناع الرؤية البصرية في الدنيا ؛ لأن العين الفانية لا تقدر أن ترى الذات الباقية.
ومن ذلك أيضا: ما ذكره الثعلبي ، والبغوي ، والزمخشري في تفاسيرهم عند قوله تعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي: مغشيا عليه ، وليس المراد ميتا كما قال قتادة.
فقد قال البغوي: في بعض الكتب: إن ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه ، فجعلوا يركلونه بأرجلهم ، ويقولون: يا ابن النساء الحيض ، أطمعت في رؤية
1 وهذا تهافت آخر وأمارة من أمارات الاختلاق ، أليس الله بقادر على حمايته من غير الروح ، والحجر ؟.
2 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج3 من ص 547 - 550.