وإذا ثبت هذا فنقول: قوله: {الذي خَلَقَ السماوات والأرض} آية محكمة دالة على أن قوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} من المتشابهات التي يجب تأويلها ، وهذه نكتة لطيفة ، ونظير هذا أنه تعالى قال في أول سورة الأنعام: {وَهُوَ الله فِيلسموات} [الأنعام: 3] ثم قال بعده بقليل: {قُل لِّمَن مَّا فِيلسموات والأرض قُل لِلَّهِ} [الأنعام: 12] فدلت هذه الآية المتأخرة على أن كل ما في السماوات ، فهو ملك لله فلو كان الله في السماوات لزم كونه ملكاً لنفسه ، وذلك محال فكذا ههنا ، فثبت بمجموع هذه الدلائل العقلية والنقلية أنه لا يمكن حمل قوله: {ثُمَّ استوى عَلَى العرش} على الجلوس والاستقرار وشغل المكان والحيز ، وعند هذا حصل للعلماء الراسخين مذهبان: الأول: أن نقطع بكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله ، وهو الذي قررناه في تفسير قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ} [آل عمران: 7] وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه.
والقول الثاني: أن نخوض في تأويله على التفصيل ، وفيه قولان ملخصان: الأول: ما ذكره القفال رحمة الله عليه فقال: {العرش} في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك ، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك ، يقال: ثل عرشه أي انتفض ملكه وفسد.
وإذا استقام له ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه ، واستقر على سرير ملكه ، هذا ما قاله القفال.