أما العقلية فأمور: أولها: أنه لو كان مستقراً على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً وإلا لزم كون العرش داخلاً في ذاته وهو محال ، وكل ما كان متناهياً فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة والعلم بهذا الجواز ضروري ، فلو كان الباري تعالى متناهياً من بعض الجوانب لكانت ذاته قابلة للزيادة والنقصان ، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين لتخصيص مخصص وتقدير مقدر ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهياً ، ولو كان كذلك لكان محدثاً وهذا محال فكونه على العرش يجب أن يكون محالاً.
وثانيها: لو كان في مكان وجهة لكان إما أن يكون غير متناه من كل الجهات ، وإما أن يكون متناهياً في كل الجهات.
وإما أن يكون متناهياً من بعض الجهات دون البعض والكل باطل فالقول بكونه في المكان والحيز باطل قطعاً.
بيان فساد القسم الأول: أنه يلزم أن تكون ذاته مخالطة لجميع الأجسام السفلية والعلوية ، وأن تكون مخالطة للقاذورات والنجاسات ، وتعالى الله عنه ، وأيضاً فعلى هذا التقدير: تكون السماوات حالة في ذاته ، وتكون الأرض أيضاً حالة في ذاته.
إذا ثبت هذا فنقول: الشيء الذي هو محل السماوات ، إما أن يكون هو عين الشيء الذي هو محل الأرضين أو غيره ، فإن كان الأول لزم كون السماوات والأرضين حالتين في محل واحد من غير امتياز بين محليهما أصلاً ، وكل حالين حلا في محل واحد ، لم يكن أحدهما ممتازاً عن الآخر ، فلزم أن يقال: السماوات لا تمتاز عن الأرضين في الذات ، وذلك باطل ، وإن كان الثاني: لزم أن تكون ذات الله تعالى مركبة من الأجزاء والأبعاض وهو محال.