وقد ضربنا من قبل المثل وقلنا: هب أن سرية في جيش ما وعليها قائد صغير برتبة ضابط ، ومفروض في جنود السرية أن ينفذوا كلامه ، ثم راحوا لموقعة وأعطاهم الضابط الصغير أوامر خاطئة بما له من فرض إرادة عليهم فنفذوا ما أمروا به . ولحظة أن يعودوا ويحاسبهم القائد الأعلى فسيقولون: لقد فعلنا ما أمرنا به الضابط المكلف بقيادتنا ، وكذلك ستأتي الجوارح في الآخرة: تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وألسنتهم وجلودهم .
إذن فالأبعاض سترفع شكواها إلى الله يوم ألا يكون لأحد من ملك سواه ، ويومئذ سيقول المكذبون الصدق الذي لن ينفعهم . {قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق ...} [الأعراف: 53]
وسوف يبحثون عن شفاعة ، لكنهم لن يجدوا ، بل إن أول من يسخر من الذين عبدوا غير الله هم المعبودون أنفسهم .
ولذلك نجد قوله الحق سبحانه: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [الأنبياء: 98]
وما ذنب المعبود؟ . . إن الأصنام لا ذنب لها ، بل كل منها يريد أن يشفي نفسه بأن يكون أداة تعذيب لمن أعطوه غير حقه .
ولذلك نجد أن الأحجار التي عُبدت تقول: عبدونا ونحن أعبد لله من القائمين بالأسحار ؛ لأن القائم في الأسحار من الأغيار قد يختار أمراً غير هذا ، ولكنا كنا مقهورين على الطاعة ، وقد اتخذوا صمتنا علينا دليلاً .
إن الأحجار تعلن أنها لم تكن تملك قدرة رفض أن يعبدها أحد أو أن تعبده عنها وتعلن له غباءه .
والشاعر يقول:
قد تجنوا جهلا كما قد تجنوا ... على ابن مريم والحواري
للمغالي جزاؤه والمغالي ... فيه تنجيه رحمة الغفار
وهكذا يأتيهم الحق واضحاً يوم القيامة .
إنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا ، وهذا من الخيبة ؛ لأن مثل هذا الإِقرار ليس من الإِيمان ، فالإِيمأن يكون بالغيب لا في المشهد . وحتى ولو عادوا ، فلن يؤمنوا! .