وقد يرد على هذا أنهم في مكان من الأعراف، فظاهر أنهم فوق الفريقين، ونقول: إن علوهم ليروا الفريقين، لَا لمنزلة لهم فوق أهل الجنة.
وبعض العلماء يرى أن أهل الجنة لم يكونوا قد دخلوا الجنة بعد، فالضمير في"دخلوا"يعود إليهم، والحق أن ذلك ليس متسقا مع السياق؛ لأنهم صاروا أصحابها، ويقتضي ذلك أن يكونوا دخلوا فيها، والله تعالى أعلم.
إن أهل الأعراف يقصدون إلى أهل الجنة قصدا؛ لأنها مطمعهم، ولكن لا يلتفتون إلى أهل النار لأنهم لَا يريدون الاتجاه إليهم، ولكن قد تصرف أنظارهم إليهم؛ ولذا قال تعالى:
(وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(47)
"التلقاء"على وزن تفعال من اللقاء وهي هنا الناحية، و"صرفت"مبني للمفعول وجهل فاعله لعدم الحاجة إلى ذكر من صرفهم، إنما المراد أنهم صرفوا بوجوههم تلقاءهم غير عامدين ولا قاصدين ولا متجهين، فهم يقع نظرهم عرضا على أهل النار فيقع بصرهم تلقاءهم،
وذلك لطمعهم في الجنة، ورغبتهم في دخولها يتجهون إلى أهل الجنة عامدين مستبشرين راجين أن يكونوا معهم، أما نظرهم لأهل النار، فهو عرض صُرفوا إليه ولا يريدونه، والتعبير بقوله ئعالى: (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ) إشارة إلى أن أبصارهم وقعت على أهل النار، أو تلقاءهم من غير إرادة، بل هي إرادة مَن صرفهم.
وإنهم إذا وقعت أنظارهم رأوا هول ما فيهم، فإذا كانوا قد فرحوا عندما رأوا المؤمنين فهم عندما وقعت أنظارهم على أهل النار، اعترتهم رهبة، وخافوا على أنفسهم فقالوا: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .