«قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: قاربوا وسدّدوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل، وفي رواية لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلّا برحمة الله» .
وإزاء الصراحة القطعية في الآية ليس من بد من حمل الحديث على قصد تنبيه المؤمنين إلى عدم إنهاك أنفسهم بما لا يطيقونه من الأعمال الصالحة ويكفي منهم ما يطيقونه. وهو ما ينطوي في أول الحديث حين التمعّن فيه. وهناك حديث صحيح آخر قد يؤيد هذا التوجيه رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة» والله تعالى أعلم.
تعليق على مدى جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
وهذه الجملة وإن كانت في مقامها هي بسبيل تقرير كون الله تعالى لا يكلف الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلّا ما في وسعهم من ذلك فإنها في إطلاقها تتضمن مبدأ من أمهات المبادئ القرآنية الذي تكرر تقريره بأساليب متنوعة وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يكلّف الناس إلّا وسعهم. وهذا المعنى يتناول حدّين أو معنيين:
الأول: أن ما يكلفه الله الناس هو ما يعرف أنه في نطاق قدرتهم ووسعهم أن يفعلوه.
والثاني: أن الله لا يطلب من الناس أن يتجشموا ما لا طاقة لهم به في سبيل القيام بما يكلفون به.
والوسع يتناول فيما يتناول عدم التعارض مع القابليات والإمكانيات وعدم التعرّض للأخطار والأضرار. فالمسلمون حسب هذا المبدأ ليسوا مكلفين بما ليس في إمكانهم وقابلياتهم الجسدية والنفسية والمالية ولا بما يكون فيه تعريض حياتهم للخطر والتهلكة والحرمان سواء أكان ذلك بسبيل الواجبات والتكاليف التعبدية أم غير التعبدية. وإنما يطلب ذلك منهم في نطاق الطاقة وحدود الإمكان والمعقول.