واستباق اسم العزة في قوله: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82) .
إذ العزيز يفعل ما يشاء، ويضل من يشاء، وينفذ أمره فيمن يشاء هدايته وفيمن يشاء إضلاله، وتكون له مع ذلك الحجة البالغة،
وهو الحميد المحمود مع أنه لو شاء لهداكم أجمعين، فكان هذا من ذكر العزة
إيماء إلى ما توجه إليه الخطاب من تعجيز إبليس، وتوحد العزيز العلي بالعزة
والقهر، ومضاء المشيئة العالية وهكذا هو يبطن إذا أظهر، ويظهر إذا أبطن - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه.
(فصل)
قال الله - عز وجل: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) يريد وهو أعلم: أسماء الله - جلَّ جلالُه -،
وأسماء الموجودات، وأسماء الملائكة الموكلين بإيجادها وتدبيرها على ما يقتضيه
مسالك أسمائه في الموجودات؛ إذ لأسمائه آثار في كل ما خلق، وفي خلقه دلائل
على كل ما تسمى به واتصف ولكل مخلوقاته ملائكة موكلون به فخاص وعام،
وأسماء ملائكته على كل موجود موافقة وجدت له لوجود كل موجود وجدت
له. (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ) ، يعني: وهو أعلم الموجودات التي في مقتضى
أسمائه (فَقَالَ) للملائكة: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) أي الأسماء
التي تقتضي هذه الموجودات.
وقوله لآدم - عليه السَّلام: (يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) يعني: وهو أعلم
الملائكة بأسمائهم؛ أي: بأسماء أنفسهم فأنبأ كلاً باسمه المطابق لما وكل إليه
من الموجودات، وكان إبليس - لعنه الله - يومئذٍ مع الملائكة - عليهم السلام -
على مصافه لما وجد له يومئذٍ؛ فأنبأه فيمن إنباء باسمه الذي هو أولى به بأنه إبليس،
وما ييسر له من العمل في المستقبل.
فلما أنبأ الملائكة بأسمائهم قال الله - جلَّ جلالُه:(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)المعنى: (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ) أي: في مستقبل شأنكم(وَمَا
كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)أي: ما تخبؤه نفوسكم. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 2/ 297 - 307} ...