(وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) .
قيل: أربابًا، أي لا تتبعوا من دونه أولياء فيما يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، أي: إنما عليهم اتباع ما حرم عليهم، واستحلال ما أحل لهم. وأما إنشاء التحليل والتحريم فلا.
وقال بعض أهل التأويل: أولياء الأصنام، والأوثان. ولكن لا يحتمل هاهنا،
ولكن قد ذكرنا أنهم كانوا يتبعون عظماءهم في التحليل والتحريم؛ كقوله: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) ، وكانوا لا يتخذون أُولَئِكَ الأحبار أربابًا في الحقيقة، ولكن كانوا يتبعونهم فيما يحلون ويحرمون ويصدرون عن آرائهم؛ فسموا بذلك لشدة اتباعهم أُولَئِكَ في التحليل والتحريم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) .
قال أهل التأويل: يعني بالقليل: المؤمنين، ولكن يحتمل قوله: (قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) ، أي: لا تتذكرون رأسًا؛ لأن الخطاب جرى فيه لأُولَئِكَ الكفرة، وفيهم نزلت الآية.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ...(4)
قال أهل التأويل: كان يخوف أهل مكة بتكذيبهم الرسول بإهلاكه الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، بقوله: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا) ؛ بتكذيبهم الرسل، فأنتم يا أهل مكة تهلكون بتكذيبكم الرسول، وإن كانوا لا يعرفون هم إهلاك الأمم الماضية أنه إنما أهلكوا بتكذيبهم الرسل، غير أنهم وإن كانوا لا يعرفون هم ذلك بأنفسهم؛ لما ليس عندهم كتاب - لكن يصلون إلى علم ذلك بمن عندهم الكتب - وهم أهل الكتاب - فيلزمهم الحجة، كالعجم وإن كانوا لا يعرفون الكتاب الذي أنزل بلسان العرب، فإن الحجة تلزمهم بذلك؛ لما كان لهم سبيل الوصول إلى علم ذلك بالعرب؛ فعلى ذلك هَؤُلَاءِ، وإن لم يكن عندهم علم بإهلاك أُولَئِكَ؛ فتلزمهم الحجة بإعلام أهل الكتاب إياهم.