وأما الحالة الثانية: فلتحقيق زوال الحرمة المبحوث عنها قطعاً فإن التجاوز عن القدر الذي يسد به الرمق حرام من حيث إنه لحم الميتة.
وفي التعرض لوصفي المغفرة والرحمة إيذان بأن المعصية باقية لكن الله تعالى يغفر له ويرحمه وقد تقدم الكلام في ذلك فتذكر ولا تغفل.
واستشكلت هذه الآية بأنها حصرت المحرمات من المطعومات في أربعة: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير والفسق الذي أهل لغير الله تعالى به ، ولا شك أنها أكثر من ذلك.
وأجيب بأن المعنى لا أجد محرماً مما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب كما أشرنا إليه.
وحينئذ يكون استثناء الأربعة منه منقطعاً أي لا أجد ما حرموه لكن أجد الأربعة محرمة.
وهذا لا دلالة فيه على الحصر.
والاستثناء المنقطع ليس كالمتصل في الحصر كما نبهوا عليه وهو مما ينبغي التنبه له.
فإن قلت: المستثنى ليس ميتة بل كونه ميتة وذلك ليس من جنس الطعام فيكون الاستثناء منقطعاً لا محالة فلا حاجة إلى ذلك التقييد.
قال القطب: نعم كذلك إلا أن المقصود إخراج الميتة من الطعام المحرم يعني لا أجد محرماً إلا الميتة فلولا التقييد كان في الحقيقة استثناء متصلاً وورد الإشكال.
وضعف ذلك الجواب بأوجه.
منها أنه تعالى قال في سورة البقرة (173) وسورة النحل (115) {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} وإنما تفيد الحصر ، وقال سبحانه في سورة المائدة: (1) {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} وأجمع المفسرون على أن المراد بقوله عز وجل: {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} قوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ} [المائدة: 3] وأما المنخنقة والموقوذة وغيرهما فهي أقسام الميتة.