وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَائِلُ هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَلَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} فَأَبَانَ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِي (الْمُهْتَدِينَ) أَنَّ (أَعْلَمَ) لَيْسَ بِمَعْنَى (يَعْلَمُ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ بِمَعْنَى يَفْعَلُ لَمْ يُوصَلْ بِالْبَاءِ، كَمَا لَا يُقَالُ هُوَ يَعْلَمُ بِزَيْدٍ، بِمَعْنَى يَعْلَمُ زَيْدًا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِآيَاتِهِ، فَكُلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِمَّا ذَكَّيْتُمْ مِنْ ذَبَائِحِكُمْ وَذَبَحْتُمُوهُ الذَّبْحَ الَّذِي بَيَّنْتُ لَكُمْ أَنَّهُ تَحِلُّ بِهِ الذَّبِيحَةُ لَكُمْ، وَذَلِكَ مَا ذَبَحَهُ الْمُؤْمِنُونَ بِي مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ دِينِ الْحَقِّ، أَوْ ذَبَحَهُ مَنْ دَانَ بِتَوْحِيدِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، دُونَ مَا ذَبَحَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ وَمَنْ لَا كِتَابَ لَهُ مِنَ الْمَجُوسِ.
{إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ بِحُجَجِ اللَّهِ الَّتِي أَتَتْكُمْ، وَإِعْلَامِهِ بِإِحْلَالِ مَا أَحْلَلْتُ لَكُمْ، وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَطَاعِمِ وَالْمَآكِلِ مُصَدِّقِينَ، وَدَعُوا عَنْكُمْ زُخْرُفَ مَا تُوحِيهِ الشَّيَاطِينُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ مِنْ زُخْرُفِ الْقَوْلِ لَكُمْ، وَتَلْبِيسِ دِينِكُمْ عَلَيْكُمْ غُرُورًا.
وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: «يَأْمُرُ بِذِكْرِ اسْمِهِ عَلَى الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالذَّبْحِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَى ذِكْرِهِ يَأْمُرُ بِهِ» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) }