تنبيه: وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق، والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبب عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق، ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به، بل كان واجبًا عليه، وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه، وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه، وفعلوا غيره من المنكرات عنادًا للحق، وبغضًا لأتباع المحقين، وجرأة على الله سبحانه وتعالى، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة، وجعل المخالفة لها والتجرؤ على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق .. وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة .. قابلوها بما لديهم من البدعة، فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين، المتهاونون بالشرائع، وهم شر من الزنادقة؛ لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظاهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين، والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإِسلام وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادرًا على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع، وقطع التطرق إلى الشبه.
وقرأ الحسن وأبو رجاء وقتادة ويعقوب وسلام وعبد الله بن يزيد:
{عُدُوًّا} بضم العين والدال وتشديد الواو، وهو مصدر لعدا؛ لأنه يقال: عدا يعدو وعَدْوًا وعدوانًا وعُدُوًا، وهي قراءة أهل مكة. وقرأ غيرهم بفتح العين وسكون الدال وتخفيف الواو. ومعنى القراءتين واحد؛ أي: ظلمًا وعدوانًا. وقرأ بعض المكيين - وعينه الزمخشري، فقال: عن ابن كثير -: بفتح العين وضم الدال وتشديد الواو؛ أي: أعداء، وهو منصوب على الحال المؤكدة، وعدو يخبر به عن الجمع كما قال تعالى: {هُمُ العَدُوُّ} ومعنى بغير علم: على جهالة بما يجب لله تعالى أن يذكر به، وهو بيان لمعنى الاعتداء.