قد جاءَكم أَنوارٌ لقلوبكم من مالك أمركم ومربيكم. وتنبعث هذه الأَنوار من آيات القرآن الذي أَنزله إِليكم. فَمَنْ رأَى الحق ببصيرته في ضوئها، فاهتدى إليه، وآمن به - فنَفْع ذلك راجع لنفسه، عائد عليها. إذ أَنه - بذلك - ينجو من العقاب، وينعم في جنات النعيم. ومَنْ تعامى عن الحق يحاول أَن يبصره في ضوئها - فضلّ وكفر - فضرر ذلك عائد على نفسه، راجع إليها. إِذ أَنه سيعاقَب بالخلود في النار.
{وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} :
أَي: يحفظكم من الضلال، ويمنعكم من الغواية. فلم يكلفنى الله بذلك. وإِنما كلفنى بالتبليغ والإِنذار. وقد فعلت.
105 - {وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} :
ومثل ذلك التبيين والتنويع. نبيّن وننوع الآياتِ القرآنيةَ الكاشفة عن الحق لنلزم المعارضين الحجة.
ولا عليك يا محمَّد، أن يفتروا الكذب، ويقولوا: دَرَسْتَ كُتُبَ أهل الكتاب وأَنشأْتَ منها هذا القرآن. ولكى نبينه لقوم يتصفون بالعم والفهم - نُصَرِّف آياتِهِ فينتفعوا بهداه، ويؤمنوا برسوله، دون جدال بالباطل.
وجملة: {وَليَقُولُوا دَرَسْتَ} : جملة طلبية كما بَيَّناه في المفردات. وقد جاءَت معترضة بين ما قبلها وما بعدها، للمسارعة إِلى تسلية النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عن معارضتهم.
فإِن المراد منها: أَلَّا يَعْتَدَّ بما يقولون من الأَكاذيب. فقد زعموا: أَن النبي - صلى الله عليه وسلم -، درس على أَهل الكتاب، وتَعلَّمَ منهم، وأَلَّف القرآن، وفقًا لما أَخذه عنهم. مع أَن مكة خالية من أَهل الكتاب، ولم يَلْقَ - صلى الله عليه وسلم - أَحدا منهم فيها، ولا في غيرها، كما أَنه عليه السلام أُمِّيٌ. والقرآن فوق طاقة البشر جميعًا. ومنهم محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، فبذلك تكون دعواهم ظاهرد البطلان، ولا تستحق أَن يبالى بها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
{وَلنَبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} :
والمعنى ولنبيّن أَنه قرآن من عند الله لمن يعلَمون ذلك حقَ العلم من أَهل الكتاب - لنلزمهم الحجة، ولعلهم يرشدون.