وأصله أن اللَّه - تبارك وتعالى - يعرف بالآيات والدلائل، لا بالمحسوسات والمشاهدات، وكل شيء سبيل معرفته الآيات والدلائل: فهو غير محاط به ولا يدرك؛ فهو على ما وصف نفسه: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) ، (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) ؛ لأن الإدراك والإحاطة إنما يقعان بالمحسوسات، لا بما يعرف بالآيات والدلائل، وعلى ذلك جاءت دلائل الرسل به نحو ما قال موسى - حين سأله فرعون -: (فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى(49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ، وقال إبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ، وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) دلالة على ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من غيره.
وعلى ذلك دل اللَّه الخلق على معرفة وحدانيته وربوبيته، بقوله: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا) ، وقال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) ، وقال: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) إلى آخر ما ذكر، دلهم على ما به يعرفون ألوهيته ووحدانيته من جهة الآيات والدلائل، لا من جهة ما تقع به، الإحاطة والإدراك، وباللَّه الهداية والرشاد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .
قيل: اللطيف: في أفعاله، الخبير بخلقه وبأعمالهم.
وقيل: اللطيف: البار الرحيم.
وقيل: اللطيف: هو العليم بخفيات الأشياء.