ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا
بِمَعْنَى: لَعَلَّنِي. وَالَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابُنَا عَنِ الْفَرَّاءِ: (لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ) . وَقَدْ أُنْشِدَ أَيْضًا بَيْتُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ:
[البحر الطويل]
لَعَلَّكَ يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ ... مُعَذِّبَ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا
(لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا) ، بِمَعْنَى: لِأَنَّكَ الَّتِي فِي مَعْنَى لَعَلَّكَ، وَأُنْشِدَ بَيْتُ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ:
[البحر الرجز]
قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ ... إِنَّا نُغَدِّي الْقَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ
يَعْنِي: لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْمَ.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {أَنَّهَا} بِمَعْنَى: (لَعَلَّهَا) .
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ بِالْيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} بِالتَّاءِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ، فَقِرَاءَةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعِهِمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَوْ أَنَّا جِئْنَاهُمْ بِآيَةٍ كَمَا سَأَلُوا مَا آمَنُوا كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِمَا قَبْلَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، لِأَنَّ اللَّهَ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ