وَأَجْمَعَتِ الْحُجَّةُ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ: {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَسْكِينِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ: {عَدْوًا} ، عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَدَا فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ: إِذَا ظَلَمَهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ، يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا، وَالِاعْتِدَاءُ: إِنَّمَا هُوَ افْتِعَالٌ مِنْ ذَلِكَ. رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (عَدُوًّا) مُشَدَّدَةَ الْوَاوِ
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا) يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهُ إِلَى أَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} ، وَكَمَا قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} ، وَيَجْعَلُ نَصْبَ (الْعَدُوَّ) حِينَئِذٍ عَلَى الْحَالِ مِنْ ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ فِي قَوْلِهِ: {فَيَسُبُّوا} ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَا تَسُبُّوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَدْعُو الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ اللَّهَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ هَكَذَا كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ صِفَةِ الْمُشْرِكِينَ وَنَعْتِهِمْ، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَيَسُبُّ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَلَكِنَّ الْعَدُوَّ لَمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ النَّكِرَةَ وَهُوَ نَعْتٌ لِلْمَعْرِفَةِ نُصِبَ عَلَى الْحَالِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى قِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا جَاءَتْ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}