وحين ننظر إلى كلمة"أشدّاء"، وكلمة"رُحماء"، نجد في ظاهر الأمر تناقضا في الطباع ، أما المدقق المحقق فيعلم من هذا القول أن الإسلام لا يطبع المسلم على لون واحد ؛ لأنه يريد منه كل الألوان ، فلو خلقه شديداً لفقدته مواطن الرحمة ، ولو فطره وخلقه رحيماً لفقدته مواطن الشدة . والإسلام يطلب من المسلم الالتزام بالقيم الروحية والمادية لتحرس كل منهما الأخرى ؛ لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارات حضارتهم شرسة ، ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم ، والحق يريد حضارة تجمع بين الاثنين ؛ الروح والمادة ، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين ؛ الروح والمادة ؛ لأن اليهود في فهمهم لما افتقدت الروح ، والنصرانية في فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة ، وجاء القرآن مُصدقًا لما بين يديه ، وهكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب .
ويتابع البلاغ لأهل قريش قاطني مكة فيقول: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى} ، ونعرف أن أم القرى تعني مكة ، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حُجّة ليقول: إن القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط ، ولهؤلاء نقول: أنتم لم تحسنوا الفهم لمعطيات اللفظ ، ولنسأل: ما الحَول أولاً؟ . الحول هو المحيط الذي حول النقطة ، أيّ نقطة وكل نقطة ، وحول كل نقطة قُطْر وقد يكون القطر 20 كيلومترا ، وقد يكون مائة كيلومتر ، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة ، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله ، وحول كل مكان يشمل كل مكان .
ولماذا سميت أم القرى؟ ؛ إما لأن"هاجر"لما نزلت بابنها الرضيع بوادٍ غير ذي زرع ، وبعد ذلك تكاثر الناس فصارت هي أم القرى ، أو لأن فيها الكعبة ، وكل الناس يؤمّونها ، أو لأن الحاجّ يأتيها من كل صوب كما يهب ويسرع الأبناء ويلوذون بأمهم: {وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا والذين يُؤْمِنُونَ بالآخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الأنعام: 92] .